الشعر اﻷمازيغي على غرار الشعر العربي؛ فن وإيقاع:

يُؤاخَذ عن البعض استغرابَه من كون الشعر الأمازيغي يضرب في القِدَم ضربا سحيقا؛ فهو عريق التاريخ والأصول، ويُحكى أن قرى بأكملها كانت تتغنى الشعر، بل كانت تتواصل به حتى في الأمور اليومية العادية.
إن المحيط الجغرافي والجيولوجي وكذا الفيزيولوجي والبيولوجي يسهم في توجيه الناس إلى صنوف من الفن دون أخرى، وهي السجية والجبلة، بالإضافة إلى التمرن والتدرب على الممارسة الثقافية، مع واقع الحال وحيال الواقع في شؤون الحياة!
ولو تأملنا يسيرا في معنى الشعر عموما، وفي الشعر الأمازيغي تحديدا، أهو أقرب إلى المنطق أم الخيال؟ لألفينا أنه أقرب إلى الخيال؛ لذلك كان الإنسان أقرب إلى الخيال من المنطق، لأن نفسه مرتبطة بعالم الخيال، ليس لكونه عاجزا، بل لإعطاء المَثل والحكمة متّسعا من المعاني والدلالات، حتى تقترب الصورة إلى الأذهان.. والمعنى بحر لا يسعه المنطق بقدر ما تفسح له الفنون الأدبية أبوابا على مصراعيها للتعبير عن أحاسيسه الذاتية والجماعية.. كالفرح والحزن، والغضب، والسعادة، ثم الحب والكره..
ومعلوم أن الشعر الأمازيغي فن من الفنون الجميلة، تمَّت ممارسته في مناطق عدة في بلدنا – شماله وجنوبه، وشرقه وغربه – حتى عُدَّ ديدنَ الناس وعادتهم. فتجد من يبوح عن مُهجته وكيانه بكلمات تختلج في الصدر، وتحمل شجون الذات ومطامحها، وعلاقاتها بالأرض، والوطن والوقت والإنسان.. وربَّما أغراض شعرية أخرى تجلت في الغزل والوصف، بل حتى في النقائض أحيانا، فهذا شاعر من قبيلة كذا وآخر من أخرى، فيتناظرون شعرا حتى يُفحِمَ أحدهما الآخر.
وطبعي؛ أن الوزن والإيقاع مقياس الشعر – بالأمازيغية كان أو بالعربية أو بغيرها – ولا نكاد نميز بينه وبين النثر إلا بهذا المقياس، عَين هذا وارد في الشعر الأمازيغي أيضا.
فلنلق نظرة فاحصة، في هذا المقطع، ونقرب معناه إلى العربية، وندرس معا إيقاعه، ثم نتعرف وزنه:

أَتِرْبتين كُّلًّـــــــــــــــــــنْ وَرَّاو “”” أَتنَّا أوركين زين ورتتاويــــــــــن
أتربتين هات إتوطان إخفساول “”” إما زين هاتين كوامسا نوليلـــــــي

معنى البيت: الشاعر هنا يوجه رسالة إلى الفتيات، مفادها: أن التي لم تكن ذات جمال خارجي، فلا حظ لها بالزواج في نظر الفتيان، فترد عليه الشاعرة بكون الجمال ليس هو جمال المظهر، كما نجد في إحدى الأشجار التي تتحلى بوردها وزهورها، لكن ذوقها مُر ولا يستساغ، إسمها بالأمازيغية ‘ أليلي’، بل الجمال جمال الأصابع؛ كناية على الجمال الداخلي للفتاة.

نتأمل في إيقاع البيت الأول: أليللي لا دالي لا لي””” أليلالا لدليلــــي ولا
إذن؛ إيقاع الوزن الأول، هو ما أشرت إليه أعلاه.

على غرار الوزن الأول من الشعر العربي، فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن””فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

وهذا احماد بوعزامة الملقب باوهاشم الشاعر الموهوب، ينظم قصائد شعرية ظلت خالدة في الأذهان، وهو شاعر لم تلق قصائده اهتماما كبيرا، وهو من هو في نظم المعاني والموضوعات، فقد تكلم عن الحب والعرق وفيروس كورونا، وهو هرم شاعري بالجنوب الشرقي للمغرب، له دواوين شفوية في حاجة للتدوين قبل أن يرحل ونبكي عن ضياع ثقافة شعرية كلها وزن وإيقاع ودلالات..؟
ضف إلى القائمة الشاعرة عدجو موح، فضلا عن الحبيب بن الصغير اباسو الزقوي كبير شعراء إملوان، وهو أيضا يمتلك سيف الكلمة، هو والراحل باسو صرودي من قصر أيت صرود أزقور العظيم.
فبعد دراسات متواضعة للشعر الأمازيغي، أكاد أجزم أن أولَ نطقٍ للإنسان كان شعرا، حتى قيل: إن الجن كذلك قال شعرا!

إن الشعر العربي القديم – لاسيما في العصر الجاهلي – كان يُلقى سَجية وجِبلَّة، دون أية معرفة بالأوزان المشكلة للبحور الشعرية، التي نتدارسها اليوم، فالشعراء العرب القدماء نفَسهم الشعري لا يقارن، حتى ظنوا أنهم ليسوا في حاجة للأمم الأخرى. وهذا مدعاة للفخر والغرور، إلى أن جاءت معجزة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عليه الصلاة والسلام، لتطفئ هذا الغرور؛ بالإعجاز اللغوي ودلائل البيان، ومن البيان ما كان في درجة السحر!

حتى جاء الخَلِيل بن أحمد الفراهيدي البصري (100 هـ170 هـ – 718م 786م)، في القرن الأول والثاني للهجرة؛ آنذاك مر ذات نهار على سوق الصَّفارين ببغداد( الحدادين) فسمع أصوات ونقرات المطرقات وآلات شحذ الحديد، فتناهت إلى ذهنه إيقاعات موسيقية، على نحو ما يقع لنا حين نزور الحقول ونسمع صوت المحركات والعصافير، فقال في نفسه: سأضع هذه النقرات على أوزان، وأسقطها على نظام الشعر العربي، فبدت له معلقة امرئ القيس على وزن ( فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن×2).. فتشجع الرجل، وكان ذلك مدعاة للقدم مضيا في هذا العلم الجليل، الموسوم ب ” علم العَروض “
أما سبب تسميته بالعروض، فالكل يعرفها.. وهي تفسيرات تبقى تقريبية فقط.. أما الحقيقة فيحملها الرجل في قلبه.

كان الخليل قد اخترع خمسة عشر وزنا ( بحرا شعريا )، فأدركته المنية ومات، ولكن تلميذه النجيب الذي يدعى ” الأخفش ” أبى إلا أن يتم مشروع أستاذه، وأدرك عليه بحرا سادس عشر، ليسميه ” بحر المتدارك/ الركض/ المحدث.. تفعيلاته: فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن×2)

وهانحن الآن؛ نتدارسه، ولا نستطيع أن ننظم بيتا على إحدى هذه الاوزان، إلا بالسجية مرة أخرى أو بالتدرب والتمرن أيضا.

أما الشعر الحر؛ فاسمه يدل عليه، ولا علاقة له بقواعد الخليل، اللهم ما احتفظ به من تكرار وحدة التفعيلة.. وهذا يبين أن لشعر التفعلية قضايا جديدة وقواعد جديدة أيضا.. يمكن التوسع في ذلك من خلال الكتاب النقدي ” قضايا الشعر المعاصر ” للعراقية نازك الملائكة.

رحمهم الله جميعا.. وجعل البركة فينا، وفي البقية.

  • مقتطف من بحث ” الشعر الأمازيغي والشعر العربي، نحو دراسة مقارِنَة”

ذ عبد المجيد صرودي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*